عبد الشافى محمد عبد اللطيف
113
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ثم جاء دور بني النضير بعد غزوة أحد في العام الهجري الثالث ، وتامرهم لقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، مما جعل طردهم من المدينة أمرا ضروريّا ؛ جزاء هذا المكر الخبيث ، وتخليص عاصمة الإسلام من هذا الميكروب اللعين « 1 » . ولكن بني النضير لم يتعظوا بما حل بهم ، فقد استمروا في التامر ضد الرسول والمسلمين ، ولعبوا دورا خطيرا في تأليب قريش وحلفائها لمهاجمة المدينة فيما عرف بغزوة الأحزاب في نهاية العام الخامس للهجرة ، كما تولى زعيمهم حيىّ بن أخطب أمر تأليب بني قريظة وحملهم على نقض عهودهم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والانضمام إلى قريش والأحزاب في محاولة استئصال المسلمين ، وأوقعهم في ارتكاب الخيانة العظمى ضد الدولة الإسلامية في وقت الحرب . الأمر الذي جعل لزاما على النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يعاقبهم العقاب العادل ، فلم يكد الأحزاب يرجعون خائبين ، حيث ردهم اللّه تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرا ، حتى تحرك الرسول بسرعة وحاصر يهود بني قريظة وقضى عليهم « 2 » . ولكن دسائس اليهود وأحقادهم لم تنته بطرد بني قينقاع وبني النضير من المدينة ، واستئصال بني قريظة ، بل استمروا في التامر من خيبر « 3 » وغيرها من المستعمرات اليهودية في شمال المدينة ، الأمر الذي كان يشكل عقبة كبيرة في طريق انطلاق الدعوة الإسلامية ، وكان وجود اليهود في خيبر وما جاورها من واحات يهودية في شمال المدينة بينها وبين الشام ، يعد خطرا على الدعوة الإسلامية التي لا بد أن تسلك هذا الطريق لتخرج إلى العالم . ولذلك لم يكد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يعود من الحديبية في نهاية العام السادس للهجرة حتى تحرك لحصار اليهود في خيبر ، والقضاء على أخطر وكر من أوكار الخيانة والغدر ضد الإسلام في شبه الجزيرة العربية . داهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم اليهود في خيبر ، وصاح الصيحة التي زلزلت الأرض تحت أقدامهم : « اللّه أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ » « 4 » بدأت المعارك في خيبر شرسة ، ولكن تحت ضربات جند اللّه القوية ، أخذت حصون خيبر المنيعة تتساقط في أيدي المسلمين بما فيها ومن فيها ، وأذعنوا واستسلموا وطلبوا الصلح ، هنا يقدم لنا
--> ( 1 ) انظر في أمر بني النضير ابن هشام ( 2 / 191 ) وانظر كذلك ابن كثير ( 4 / 74 ) . ( 2 ) انظر في أمر بني قريظة ابن هشام ( 3 / 252 ) وانظر كذلك محمد أحمد باشميل - غزوة مؤتة ( ص 7 ، 8 ) ومنتجومري وات - محمد في المدينة ( ص 324 ) . ود . هيكل - حياة محمد ( ص 32 ) وما بعدها . ( 3 ) منتجومري وات - محمد في المدينة ( ص 332 ) . ( 4 ) ابن هشام ( 3 / 380 ) .